عبد الناصر وتاريخ الأُمه
كتبهاخالد الخولى ، في 27 أغسطس 2006 الساعة: 11:58 ص
عبد الناصر وتاريخ الأُمة
هذا الموضوع ليس دفاعاً عن شخص جمال عبد الناصر"رغم أن شخصه يستحق جل الإحترام" ولكنه فى الأساس دفاعاً عن تاريخ أمة فجمال عبد الناصر والحقبة الناصرية هما جزء أصيل من تاريخ الوطن العربى وكم من سطور سطرتها تلك الحقبة الثورية فى صفحات تاريخ النضال العربى…
ولنعترف جميعاً أن هناك سلبيات وإيجابيات ولكن الفارق كيف نضعها فى ميزانها الصحيح …ولننقد كما نشاء فلا أحد أياً كان فوق مستوى النقد ولكن شريطة أن يكون النقد موضوعياً وبناء.
لقد أعلن الزعيم جمال عبد الناصر انحيازه للشعب والأرض بعيداً عن المصالح والأهواء الشخصية وبعيداً عن بريق السلطة..
لقد ناضل ناصر من أجل تأكيد حقوق الفلاح الذى كان يعانى أشد أنواع الذل والمهانة فى مجتمع إقطاعى حيث كان 61 مالكاً يملك كل منهم أكثر من 2000فدان و28 مالكاً يملك كل منهم مابين 1500 إلى 2000 فدان و99مالكاً يملك كل منهم مابين800 إل1000 فدان؛ أما الذين تزيد ملكيتهم عن 50 فدان فقد كانوا 113489 شخصاً؛بينما كان الملايين من الزارعين لايملكون شيئاً..
ومن ثم كان لزاماً على ثورة يوليو بقيادة ناصر تحقيق العدالة الإجتماعية بإعادة توزيع الثروة بشكل يضمن لكل مواطن نصيباً عادلاً من الثروة وبناء على ذلك صدرت عدة تشريعات للإصلاح الزراعى بدأت بصدور قانون الإصلاح الزراعى الأول فى 9 سبتمبر1952 وبدأتنفيذه فى26أكتوبر من نفس العام ويعتبر هذا القانون بداية الطريق نحو التغيير الشامل فى العلاقات الإجتماعية داخل المجتمع المصرى ..وقد تم بالفعل تحديد حداً أقصىلملكية الأراضى الزراعية وزيادة عدد المُلاك فى الريف بتوزيع الأراضى الزراعية عليهم كما تم تحديد العلاقة بين المالك والمستأجر وحماية حقوق العامل الزراعى وإدخال الوسائل العلمية فى الزراعة وذلك للحد من آثار تجزئة الأرض وتفتيته…
كما صدر القانون رقم15لسنة1962ويقضى بحظر تملك الأجانب للأراضى الزراعية بعدما لوحظ أن متوسط مايملكه الأجنبى يفوق مايملكة المصرى أضعافاً مضاعفة ..
وهكذا اتخذ ناصر موقفا ًصريحاً ضد أباطره الإقطاع وكبار الملاك.
أما فيما يخص العمال وصغار الموظفين فقد كان موقف ناصر واضحاً وعملياً تخصيص 25% من أرباح الشركات للموظفين والعمال وفقاً لقرار بقانون رقم111لسنة1961 كما تم إشراكهم فى مجلس الإدارة وايضاً تم وضع حد أدنى للأجور يستطيع أن يؤمن به كل مواطن حقه فى حياة كريمة..وأيضاً صدر قرار بقانون رقم133لسنة1961بتنظيم تشغيل العمال فى المؤسسات الصناعية الذى حفظ للعمال كافة حقوقهم كمنع الفصل التعسفى وتحديد ساعات العمل والأجازات والمعاشات والتعويضات والتأمينات الإجتماعية وبذلك أصبح العامل مطمئناً على يومه آمناً على غده.
أما عن مجال التعليم فقد جعل التعليم مجانياً فى جميع مراحله بالإضافة إلى توفير الخدمات الإجتماعية والصحية للطلاب مع التأمين عليهم وبالتالى أصبح فى متناول الجميع الإندراج فى السلك التعليمى بكافة مراحله دون أدنى معاناة خاصة أن الإلتحاق بمراحل التعليم المختلفة يتم وفقاً لمجموع الدرجات ورغبة الطلاب وليس وفقاً للمحسوبية والوساطة ورأس المال و تم ترسيخ ديمقراطية التعليم بإشتراك مجالس الأباء فى إدارة المدرسة ..كما تم التوسع فى التعليم الفنى والاهتمام بمراكز التدريب المهنى وتدعيم التعليم العالى وتشجيع البحث العلمى.
وفيما يخص الرعاية الصحية للمواطنين تم التوسع فى إنشاء مختلف أنواع المستشفيات والمؤسسات الصحية وبالفعل أصبح هناك توسع فى الخدمات الصحية والوقائية والعلاجية وخاصة فى قطاع الريف والعمال وتم تعميم التأمين الصحى لجميع العاملين وعدم تحديد مدة للأجازات المرضية للمرضى بأمراض مزمنة..وبالنسبة للخدمات الإجتماعية فقد كانت تغطى إصابات العمل والتأمين الصحى والشيخوخة والعجز الجزئى والكلى والبطالة وتُصرف معاشات شهرية للذين تركوا الخدمة بسبب بلوغهم سن التقاعد أوبسبب العجز الصحى كما يستمر صرف المعاشات لأسرة العامل بعد وفاته كما تُدفع التعويضات للذين يصابون أثناء العمل أويتركون العمل بسبب المرض أو العجز الكلى.
وفيما يتعلق بالإقتصاد المصرى وتطوره فإن تقرير البنك الدولى رقم870- أ عن مصر الصادر فى واشنطن بتاريخ 5يناير1976 أكد أن نسبة النمو الإقتصادى فى مصر من عام 1957 إلى عام1967 كانت تسير بمعدل 6.2% بالأسعار الثابتة الحقيقية وقد إرتفعت هذه النسبة فى الفترة من1960 إلى1965 إلى معدل6.6% هذا فى الوقت الذى كانت فيه معدلات التنمية الإقتصادية فى أكثر بلدان العالم النامى إستقلالاً لاتزيد عن 2.5%…
وقد أنشأ ناصر مجلس أعلى للإنتاج وضم فيه مجموعة من أبرز خبراء مصر الإقتصاديين وكان من أبرز المشروعات "مصنع حديد حلوان- مصنع السماد فى أسوان – كهربة خزان أسوان – كهربة خط حلوان"..
كما تم إنشاء مجلس أعلى للخدمات وقد نفذ مشروعات الوحدات المجمعة للصحة والتعليم وإعاده التدريب والإرشاد الزراعى فى الريف إلى جانب سلسلة من المستشفيات المركزية التى أُنشئت فى ذلك الوقت..
كما تحمل الإقتصاد المصرى أعباء الصمود بعد حرب 1967 حيث تحمل هذا الإقتصاد عبء بناء القوات المسلحة وإتمام بناء السد العالى الذى أُكتمل عام 1970 وتحمل أيضاً أعباء مشروعات جديدة ضخمة أبرزها مشروع "مجمع الحديد والصلب" وهو من القواعد الأساسية لصرح الصناعات الثقيلة فى مصر هذا بالإضافة إلى تحمل هذا الإقتصاد عبء تثبيت أسعار السلع الإستهلاكية فبقيت الحياة محتملة للسواد الأعظم من الجماهير.
وفيما يخص تأميم قناة السويس ومايقال عن أن قرار التأميم كان مجرد قراراً إنفعالياً غير مدروس ومجرد رد على سحب أمريكا لتمويل السد العالى فإن الواقع يؤكد زيف تلك الأقاويل فقد كان ناصر يفكر ويبحث ويدرس كل ماله علاقه بقناة السويس بإعتبارها مصرية على أرض مصرية ومما يدل على هذا أنه فى نوفمبر 1952 قام ناصر بإستدعاء الدكتور مصطفى الحفناوى" وهو أبرز المهتمن بشركة قناة السويس" لإلقاء محاضرة يفتتح بها الموسم الثقافى لنادى ضباط الجيش طالب فيها بالتأميم وكان ذلك عقب لقاء تم بينه وبين ناصر فى أغسطس 1952..وفى عام 1953 أنشأ ناصر مكتباً للأبحاث عن القناة ملحقاً برئاسة الوزراء..وفى عام 1954 طلب ناصر من إدارة التعبئة العامة للقوات المسلحة أن تقوم بدراسة واسعة حول قناة السويس وتاريخها وعملها وإدارتها والعاملون فيها وكل مايتعلق بها وإنتهت الدراسة عام1955 وبدأت الإدارة نشرها فى المجلة الشهرية التى كانت تصدرها باسم "الهدف" تحت عنوان "هذه القناه لنا" ..وفى عام1954 وجة ناصر رسالة إلى الشعب المصرىبمناسبة ذكرى إفتتاح قناة السويس جاء فيها"لقد كانت مصر للقناة وذلك هو الماضى ولم تعد مصر للقناة وذلك هو الحاضر وسوف تكون القناة لمصر وذلكم هو المستقبل"…
وفى عام1956 نشرت مجلة المصور على غلافها عنواناً يقول" ماذا يقرأ عبد الناصر؟" وفى التحقيق الذى نشرته المجلة قال ناصر إنه يقرأ كتاباً عن قناة السويس…
أما فيما يتعلق بأن قرار التأميم كلفنا خسائر من جراء العدوان الثلاثى وأن القناة كانت ستسلم لمصر بعد انتهاء الإمتياز..فمثل هذا السؤال لايجوز الإستغراق فى الرد عليه حتى ولو بذكر المكاسب حيث أن المعركة هنا كانت معركة تحرير أرض واستعادة حق أصيل مهما تكن التضحيات.
وفى إطار معركة الإستقلال والتحرر استطاع ناصر أن يكسر إحتكار السلاح فى المنطقة العربية حيث كانت صفقات السلاح مرتبطة بشروط تسلب الوطن حريته واستقلاله فضلاً عن كونها أسلحة بسيطة لا تشكل جيشاً قوياً رادعاً..ويبين تعليق "موشى شاريت" رئيس الوزراء الصهيونى فى أوائل الخمسينيات مدى أهمية هذا الموقف المصرى ليس على مصر فحسب بل على الوطن العربى حيث علق قائلاً "إنها خطر لامثيل له ومن المحتم أن تؤثر تأثيراً بالغاً على إسرائيل كما أنها غيرت ميزان القوى تغييراً حاسماً وضع حداً أدنى لتفوق إسرائيل النوعى على مصر انها خطر داهم لم تشهده إسرائيل منذ حرب الإستقلال".
أما عن حرب اليمن فإن مصر كانت هى منبر الثورية والقومية العربية وكانت اليمن تعتبر فى ظل حكم آل حميد الدين بقعة من بقاع الجاهلية وإحدى أدوات الإستعمار فى الوطن العربى وعندما قامت الثورة اليمنية لم يكن فى وسع مصر أن تتخلى عنها وتتركها وحدها فى مهب الريح وبالفعل ساندت مصر الثورة وحققت عدد من الانجازات أبرزها أنه أصبح لدى الشعب العربى قناعة بوجود مساند فعلى وحقيقى للثورات التحررية وتأكدت الأنظمة الرجعية أن مساندتها للإستعمار أصبح مهدداً لبقائها اكما أيقنت القوى الإستعمارية أن الوطن العربى لم يعد مباحاً لها….
وكان من الأولى للمنتقدين أن يوجهوا نقدهم للأنظمة العربية التى إصطدمت مع الثورة اليمنية مثل النظام السعودى..والغريب أن كماً هائلاً من المنتقدين لناصر لإرسالة قوات تساند الثورة اليمنية التى تدعو للإستقلال والتحرر هم أنفسهم الذين يهاجمون مبارك مطالبين إياه بفتح باب الجهاد وإرسال قوات تدعم المقاومة العربية فى فلسطين ولبنان والعراق فلماذا هذا الموقف شديد التناقض.
وعبد الناصر أيضاً هو الذى قاد معارك ضد الأحلاف الغربية الإستعمارية فى الوطن العربى وانتصر فيها وأبرزها حلف بغداد..وهو الذى ساند الثورات التحررية فى الوطن العربى مثل الثورة الجزائرية والثورة العراقية والثورة اليمنية وغيرها.
ولم يقتصر دور ناصر على الوطن العربى بل ساند الثورات التحررية فى القارة الإفريقية بإعتبار مصر جزء أصيل من تلك القارة ووعياً منه بأهميتها البالغة وبالفعل كانت القارة الإفريقية فى عهد ناصر حصناً منيعاً ضد الصهيونية وكان للدور الذى قام به ناصر فى تلك القارة أثراً بالغاً فى إستقلال معظم دول القارة وظهور زعامات عدة مثل لومومبا فى الكونغو" أحمد سيكوتورى فى غينيا وكوامى نكروما فى غانا.
أما فيما يخص نكسة 1967 وحرب أكتوبر فبداية لابد من توضيح المفاهيم فالهزيمة لاتحدث فعلاً إلا بتوافر شروط ألا وهى إنكسار الإرادة وتبنى نظرية العدو فى القضية والصراع..وإذا لم تتحقق هذه الشروط فإن الهزيمة لا تعد نهائية بأى حال من الأحوال وقياساً بموقف مصر بعد نكسة 1967 فإن الإرادة لم تنكسر ولم تتبنى مصر نظرية العدو الصهيونى والأمريكى فى القضية والصراع ولعل اللاءات الثلاثة "لاصلح..لااعتراف..لاتفاوض" التى أعلنها ناصر فى مؤتمر الخرطوم خير دليل على ثبات المبدأ والموقف…وبالفعل مع نهاية عام67 كانت قدرة مصر الدفاعية قد اكتملت وفى عام 68كانت حرب الردع بمعارك المدفعية على جانبى القناة وفى عام1969 حتى النصف الأول من عام1970 كانت حرب الإستنزاف وهى التى يلقبها الخبراء العسكريين ب"الحرب الرابعة" لما لها من أكبر الأثر فى زعزعة استقرار العدو الصهيونى وتكبيده خسائر جمة وبالتالى استعاد الجيش والمقاتل المصرى ثقته فى قدراته وإمكانته بالإضافة إلى المكاسب العسكرية التى تحققت وقد كانت حرب الإستنزاف هى البداية الفعلية لحرب أكتوبر…
ولضرورة خوض حرب حاسمة تمكن ناصر من انشاء حائط الصواريخ سام3 وسام6وذلك لمواجهه الطيران المنخفض الذى كان يضرب مصر فى العمق حيث كانت لدى مصر صواريخ سام2 التى تتعرض للإرتفاعات العالية ولكن ليس لما هو أقل من 500متر..
وفى عهد ناصر وتحت إشراف البطل الشهيد عبد المنعم رياض تم أعداد الجيش ووضعت الخطة "جرانيت1"والتى تهدف إلى عبور قناة السويس بقوة خمس فرق والتمسك برؤؤس كبارى على الضفة الشرقية تكون مواقعها واصلة إلى الطرق الرئيسية الثلاثة التى تقطع سيناء من الجنوب والوسط والشمال – وهى بالفعل الخطة التى نُفذت فى الحرب…وكان من المفترض أن يتم تطوير الهجوم والوصول إلى المضايق فى سيناء وفقاً لخطة "جرانيت2"إلا أنها لم تنفذ كما يجب لأسباب سياسية لاعلاقة لها بالوطنية والنضال…
كما أنه فىعهد ناصر وضعت"الخطة200" وهى خطة دفاعية تحسبت لإحتمال قيام العدو الصهيونى بهجوم مضاد إلى غرب قناة السويس إذا حدث وتمكنت القوات المصرية من عبورها إلى الشرق"ثغرة الدفرسوار" وكانت الفرقتين المكلفتين هما الفرقة21المدرعة والفرقة الرابعة المدرعة إلاأن القرار الغريب الخاص بالوقفة التعبوية ثم إستخدامهما بلا مبرر فى تطوير الهجوم الفاشل يوم14 أكتوبر جعل عمق الجبهة المصرية مكشوفاً وغير متوازن وأصبحت منطقة المفصل بين الجيش الثانى والثالث مفتوحة أكثر من أى وقت مضى وهو ماعًرف بثغرة الدفرسوار..أى أن الخطة 200 كانت معدة سلفاً لحماية هذه المنطقة إلا أن القرارت الغريبة التى تم إتخاذها أفقدت الخطة توازنها…
هذا بالإضافة إلى أن المد الثورى الذى بلغ ذروته وتأجج فى الحقبة الناصرية بالإضافة إلى غرس مبادئ القومية والحرية كان لايزال يسرى فى أوصال الوطن العربى وهو ماكان له أبلغ الأثر فى حرص الدول العربية على تقديم الدعم المادى والعسكرى لمصر فى حرب أكتوبر دونما تردد فلم نسمع تصريحات عن مصر المغامرة ولم نسمع عن إبراء الدول العربية ذمتها من الموقف المصرى.
وبخصوص من يتهم ناصر بأنه أعدم كلاً من مصطفى خميس ومحمد حسن البقرى بسبب مظاهرات كفر الدوار التى قام بها عمال شركة مصر للغزل والنسيج الرفيع يومى 12و13 أغسطس 1952فإن هذا الاتهام مخالفاً تماماً للواقع حيث أن تصديق مجلس قيادة الثورة على حكم الإعدام الذىأوصى به المجلس العسكرى الذى تولى المحاكمة لم يكن جماعياً فقد إعترض على قرار الحكم كل ٌ من يوسف صديق وخالد محيى الدين وجمال عبد الناصر.
أما فيما يخص قضية الدكتاتورية والديقراطية والولع بالسلطة فإن ناصر هو الذى أصر فى آخر إجتماع للجنة القيادية لتنظيم الضباط الأحرار عشية الثورة على أن يجرى انتخاب لإختيار قائداً للتنظيم وهو يعلم أن تلك اللجنة تضم أعضاء من تيارات سياسية مختلفة ومع ذلك تم انتخابه بالإجماع..
وناصر أيضاً هو الذى أصر فى أول إجتماع لمجلس قيادة الثورة على أن يجرى انتخاب رئيس جديد للمجلس ومرة ثانية يختاره رفاقه بالإجماع..
كما أن ناصر هو الذى تحاور مع الأحزاب والتقى مع حسن الهضيبى المرشد العام للإخوان فى ذلك الوقت فيما يخص قانون الإصلاح الزراعى والبرامج وتطهيرها من القيادات المعروفة بالفساد إلا أنه جميعاً كانت تتعامل مع القضية بوجهة نظر منفعية لاعلاقة لها بمطالب الغالبية العظمى من الشعب ..
وعبد الناصر هو الذى تفاعل مع مظاهرات الطلاب عام68 التى اشتعلت إحتجاجاً على الأحكام التى صدرت بخصوص قضايا التقصير والإهمال فى سلاح الطيران باعتبارها أحكاماً هزيلة وبالفعل إتخذ ناصر قراراً بإلغاء الأحكام التى صدرت وإحالة القضية إلى محكمة عسكرية عليا أخرى..وتمت الإستجابة لمطالب الطلاب الخاصة بمزيد من الإستقلال والفاعلية وحرية الحركة لإتحاداتهم والسماح للإتحادات بالعمل السياسى وتنفيذاً لتلك المطالب صدر قرار رئيس الجمهورية رقم1523لسنة1968بشأن تنظيم الإتحادات الطلابية وبدأت الجامعة تموج بالحركة والنضال.
كما أن غالبية الأسماء اللامعة فى الآداب والفنون والثقافة بشكل عام هم نتاج الحقبة الناصرية ومن كان موجوداً قبل ذلك فقد توهج حضوره فى تلك الفترة..
وجدير بالذكر أن شاعراً مثل نزار قبانى كانت من أجمل قصائدة وأعنفها قصيدة بعنوان "هوامش على دفتر النكسة" وهى تحمل أقصى وأشد أنواع النقد للسلطة فى ذلك الوقت وقد نُشرت بأمر من ناصر..الملفت أن نزار الذى وجه نقداً بالغاً هونفسه الذى كتب بعد رحيل ناصر"أبا خالد جبل الكبرياء" و "فى رثاء عبد الناصر" و"الهرم الرابع مات "
كما أن أحمد فؤاد نجم وهو الشاعر الذى أُعتقل فى عهد ناصر وهو بالطبع ليس تاصرى وطالما انتقد ناصر فى أشعاره هونفسه الذى كتب بعد رحيل ناصر"زيارة إلى ضريح عبد الناصر" وهو الذى كتب مقولة صغيرة فى نهاية شعر "الفوازير" يتحدث فيها عن ناصر متمنياً وجوده بيننا.
لذا فعلينا دائماً أن نفرق بين من يجعل من الثقافة والآداب والفنون والتأريخ منبراً للحقيقة وبين من يُشكلها وفقاً لهوية كل عصر.
والأزمة أن البعض يلجأ إلى"الإنسكلوبيديا البريطانية" باعتبارها مرجعية ودليلاً غلى ديكتاتورية ناصر حيث وضعته ضمن أهم زعماء الديكتاتورية فى القرن العشرين غافلين أنها تعمدت ألا تورد ضمن حصرها الديكتاتورى عن القرن العشرين "سالازار" البرتغالى و"باتيستا" الكوبى و"سوهارتو"الإندونيسى وكل القاده الصهاينه ومعظم قاده أمريكا ودول الغرب خلال ذات القرن..وبالتالى تناسوا أن هذه المطبوعة هى إحدى آليات تزوير التاريخ لذا هى لاتتوانى عن تشويه تيتو وماوتسى تونج ونكروما وسوكارنو وجمال عبد الناصر.
على أية حال إذا كان عبد الناصر ظالماً وديكتاتوراً وإذا كان الشعب يحيا فى عهده تحت نير الذل والقهر والإستعباد فلماذا خرج الغالبية من هذا الشعب بكل طوائفه مؤيداً جمال عبد الناصر فى أحلك اللحظات ورافضاً لقرار التنحى ..إن مايقال عن أن هؤلاء مجموعة من المأجورين هو كلام منضرب الخيال لأنه ببساطة بهذا القول يتهم غالبية الشعب بأنهم مأجورين وبالتالى فلا خير فى شعب بمثل هذا السوء شغب غالبيته من المأجورين حتى فى وقت المحن أما ماحدث فكان رد فعل طبيعى نظراً لمكانة عبد الناصر فى قلوب الجماهير الذين وجدوا فيه معبراً عن آمالهم وطموحاتهم ورمزاً لعزتهم وكرامتهم لأنه ببساطة تعايش معهم كما أنه لم يوجد بعد نظام مهما بلغ جبروته وقوته أن يُخرج الشعب عن بكرة أبيه من كافة الأنحاء لابالتأجير ولابالإجبار وبالنسبة للذين يقولون أنهم لم يخرجوا لتأييد ناصر فلماذا لم يتم إخراجهم بالقوة أو بالأجر …
وإذا كانت هى حقاً تمثيلية ومن خرجوا لأداء دور المؤيدين بلغوا من البراعة والدقة آداء الدور لدرجة أن من يشاهدهم لايمكن أن يشك للحظه واحدة أنهم يصطنعون "ملحوظة-يتضح الفارق بشكل كامل لمن تابع الموظفين الذين حضروا فى أتوبيسات الشركات لتأييد مبارك بعد حادث أديس أبابا " فلماذا استمر المسلسل فى جنازه ناصر وهو الذى رحل عن الدنيا ومع ذلك فإن العدد أصبح أضعافاً مضاعفة ليس فى مصر فحسب بل فى كافة أرجاء الوطن العربى ..هذا الحشد الجماهيرى المهيب الذى لم تشهده أى جنازه فى وطننا العربى و جنازه السادات خير دليل على ذلك فهل هذا الحشد كان أيضاً مصطنعاً وهل امتد المسلسل ليشمل أرجاء الوطن العربى وتُرى لماذا هتف الفلسطينيون فى فلسطين وهم يشيعون جنازه ناصر فى فلسطين "ليلة هم وليلة طين - حظك عاثر يافلسطين".
إن الجماهير تعاملت مع جمال عبد الناصر باعتباره نصيرها ومرجعيتها الثورية والأهم من ذلك كان بمثابه الأب والإبن…
لقد كان جمال عبد الناصر عربى أصيل نبت هذه الأرض الطاهرة.
ولنعترف جميعاً أن هناك سلبيات وإيجابيات ولكن الفارق كيف نضعها فى ميزانها الصحيح …ولننقد كما نشاء فلا أحد أياً كان فوق مستوى النقد ولكن شريطة أن يكون النقد موضوعياً وبناء.
لقد أعلن الزعيم جمال عبد الناصر انحيازه للشعب والأرض بعيداً عن المصالح والأهواء الشخصية وبعيداً عن بريق السلطة..
لقد ناضل ناصر من أجل تأكيد حقوق الفلاح الذى كان يعانى أشد أنواع الذل والمهانة فى مجتمع إقطاعى حيث كان 61 مالكاً يملك كل منهم أكثر من 2000فدان و28 مالكاً يملك كل منهم مابين 1500 إلى 2000 فدان و99مالكاً يملك كل منهم مابين800 إل1000 فدان؛ أما الذين تزيد ملكيتهم عن 50 فدان فقد كانوا 113489 شخصاً؛بينما كان الملايين من الزارعين لايملكون شيئاً..
ومن ثم كان لزاماً على ثورة يوليو بقيادة ناصر تحقيق العدالة الإجتماعية بإعادة توزيع الثروة بشكل يضمن لكل مواطن نصيباً عادلاً من الثروة وبناء على ذلك صدرت عدة تشريعات للإصلاح الزراعى بدأت بصدور قانون الإصلاح الزراعى الأول فى 9 سبتمبر1952 وبدأتنفيذه فى26أكتوبر من نفس العام ويعتبر هذا القانون بداية الطريق نحو التغيير الشامل فى العلاقات الإجتماعية داخل المجتمع المصرى ..وقد تم بالفعل تحديد حداً أقصىلملكية الأراضى الزراعية وزيادة عدد المُلاك فى الريف بتوزيع الأراضى الزراعية عليهم كما تم تحديد العلاقة بين المالك والمستأجر وحماية حقوق العامل الزراعى وإدخال الوسائل العلمية فى الزراعة وذلك للحد من آثار تجزئة الأرض وتفتيته…
كما صدر القانون رقم15لسنة1962ويقضى بحظر تملك الأجانب للأراضى الزراعية بعدما لوحظ أن متوسط مايملكه الأجنبى يفوق مايملكة المصرى أضعافاً مضاعفة ..
وهكذا اتخذ ناصر موقفا ًصريحاً ضد أباطره الإقطاع وكبار الملاك.
أما فيما يخص العمال وصغار الموظفين فقد كان موقف ناصر واضحاً وعملياً تخصيص 25% من أرباح الشركات للموظفين والعمال وفقاً لقرار بقانون رقم111لسنة1961 كما تم إشراكهم فى مجلس الإدارة وايضاً تم وضع حد أدنى للأجور يستطيع أن يؤمن به كل مواطن حقه فى حياة كريمة..وأيضاً صدر قرار بقانون رقم133لسنة1961بتنظيم تشغيل العمال فى المؤسسات الصناعية الذى حفظ للعمال كافة حقوقهم كمنع الفصل التعسفى وتحديد ساعات العمل والأجازات والمعاشات والتعويضات والتأمينات الإجتماعية وبذلك أصبح العامل مطمئناً على يومه آمناً على غده.
أما عن مجال التعليم فقد جعل التعليم مجانياً فى جميع مراحله بالإضافة إلى توفير الخدمات الإجتماعية والصحية للطلاب مع التأمين عليهم وبالتالى أصبح فى متناول الجميع الإندراج فى السلك التعليمى بكافة مراحله دون أدنى معاناة خاصة أن الإلتحاق بمراحل التعليم المختلفة يتم وفقاً لمجموع الدرجات ورغبة الطلاب وليس وفقاً للمحسوبية والوساطة ورأس المال و تم ترسيخ ديمقراطية التعليم بإشتراك مجالس الأباء فى إدارة المدرسة ..كما تم التوسع فى التعليم الفنى والاهتمام بمراكز التدريب المهنى وتدعيم التعليم العالى وتشجيع البحث العلمى.
وفيما يخص الرعاية الصحية للمواطنين تم التوسع فى إنشاء مختلف أنواع المستشفيات والمؤسسات الصحية وبالفعل أصبح هناك توسع فى الخدمات الصحية والوقائية والعلاجية وخاصة فى قطاع الريف والعمال وتم تعميم التأمين الصحى لجميع العاملين وعدم تحديد مدة للأجازات المرضية للمرضى بأمراض مزمنة..وبالنسبة للخدمات الإجتماعية فقد كانت تغطى إصابات العمل والتأمين الصحى والشيخوخة والعجز الجزئى والكلى والبطالة وتُصرف معاشات شهرية للذين تركوا الخدمة بسبب بلوغهم سن التقاعد أوبسبب العجز الصحى كما يستمر صرف المعاشات لأسرة العامل بعد وفاته كما تُدفع التعويضات للذين يصابون أثناء العمل أويتركون العمل بسبب المرض أو العجز الكلى.
وفيما يتعلق بالإقتصاد المصرى وتطوره فإن تقرير البنك الدولى رقم870- أ عن مصر الصادر فى واشنطن بتاريخ 5يناير1976 أكد أن نسبة النمو الإقتصادى فى مصر من عام 1957 إلى عام1967 كانت تسير بمعدل 6.2% بالأسعار الثابتة الحقيقية وقد إرتفعت هذه النسبة فى الفترة من1960 إلى1965 إلى معدل6.6% هذا فى الوقت الذى كانت فيه معدلات التنمية الإقتصادية فى أكثر بلدان العالم النامى إستقلالاً لاتزيد عن 2.5%…
وقد أنشأ ناصر مجلس أعلى للإنتاج وضم فيه مجموعة من أبرز خبراء مصر الإقتصاديين وكان من أبرز المشروعات "مصنع حديد حلوان- مصنع السماد فى أسوان – كهربة خزان أسوان – كهربة خط حلوان"..
كما تم إنشاء مجلس أعلى للخدمات وقد نفذ مشروعات الوحدات المجمعة للصحة والتعليم وإعاده التدريب والإرشاد الزراعى فى الريف إلى جانب سلسلة من المستشفيات المركزية التى أُنشئت فى ذلك الوقت..
كما تحمل الإقتصاد المصرى أعباء الصمود بعد حرب 1967 حيث تحمل هذا الإقتصاد عبء بناء القوات المسلحة وإتمام بناء السد العالى الذى أُكتمل عام 1970 وتحمل أيضاً أعباء مشروعات جديدة ضخمة أبرزها مشروع "مجمع الحديد والصلب" وهو من القواعد الأساسية لصرح الصناعات الثقيلة فى مصر هذا بالإضافة إلى تحمل هذا الإقتصاد عبء تثبيت أسعار السلع الإستهلاكية فبقيت الحياة محتملة للسواد الأعظم من الجماهير.
وفيما يخص تأميم قناة السويس ومايقال عن أن قرار التأميم كان مجرد قراراً إنفعالياً غير مدروس ومجرد رد على سحب أمريكا لتمويل السد العالى فإن الواقع يؤكد زيف تلك الأقاويل فقد كان ناصر يفكر ويبحث ويدرس كل ماله علاقه بقناة السويس بإعتبارها مصرية على أرض مصرية ومما يدل على هذا أنه فى نوفمبر 1952 قام ناصر بإستدعاء الدكتور مصطفى الحفناوى" وهو أبرز المهتمن بشركة قناة السويس" لإلقاء محاضرة يفتتح بها الموسم الثقافى لنادى ضباط الجيش طالب فيها بالتأميم وكان ذلك عقب لقاء تم بينه وبين ناصر فى أغسطس 1952..وفى عام 1953 أنشأ ناصر مكتباً للأبحاث عن القناة ملحقاً برئاسة الوزراء..وفى عام 1954 طلب ناصر من إدارة التعبئة العامة للقوات المسلحة أن تقوم بدراسة واسعة حول قناة السويس وتاريخها وعملها وإدارتها والعاملون فيها وكل مايتعلق بها وإنتهت الدراسة عام1955 وبدأت الإدارة نشرها فى المجلة الشهرية التى كانت تصدرها باسم "الهدف" تحت عنوان "هذه القناه لنا" ..وفى عام1954 وجة ناصر رسالة إلى الشعب المصرىبمناسبة ذكرى إفتتاح قناة السويس جاء فيها"لقد كانت مصر للقناة وذلك هو الماضى ولم تعد مصر للقناة وذلك هو الحاضر وسوف تكون القناة لمصر وذلكم هو المستقبل"…
وفى عام1956 نشرت مجلة المصور على غلافها عنواناً يقول" ماذا يقرأ عبد الناصر؟" وفى التحقيق الذى نشرته المجلة قال ناصر إنه يقرأ كتاباً عن قناة السويس…
أما فيما يتعلق بأن قرار التأميم كلفنا خسائر من جراء العدوان الثلاثى وأن القناة كانت ستسلم لمصر بعد انتهاء الإمتياز..فمثل هذا السؤال لايجوز الإستغراق فى الرد عليه حتى ولو بذكر المكاسب حيث أن المعركة هنا كانت معركة تحرير أرض واستعادة حق أصيل مهما تكن التضحيات.
وفى إطار معركة الإستقلال والتحرر استطاع ناصر أن يكسر إحتكار السلاح فى المنطقة العربية حيث كانت صفقات السلاح مرتبطة بشروط تسلب الوطن حريته واستقلاله فضلاً عن كونها أسلحة بسيطة لا تشكل جيشاً قوياً رادعاً..ويبين تعليق "موشى شاريت" رئيس الوزراء الصهيونى فى أوائل الخمسينيات مدى أهمية هذا الموقف المصرى ليس على مصر فحسب بل على الوطن العربى حيث علق قائلاً "إنها خطر لامثيل له ومن المحتم أن تؤثر تأثيراً بالغاً على إسرائيل كما أنها غيرت ميزان القوى تغييراً حاسماً وضع حداً أدنى لتفوق إسرائيل النوعى على مصر انها خطر داهم لم تشهده إسرائيل منذ حرب الإستقلال".
أما عن حرب اليمن فإن مصر كانت هى منبر الثورية والقومية العربية وكانت اليمن تعتبر فى ظل حكم آل حميد الدين بقعة من بقاع الجاهلية وإحدى أدوات الإستعمار فى الوطن العربى وعندما قامت الثورة اليمنية لم يكن فى وسع مصر أن تتخلى عنها وتتركها وحدها فى مهب الريح وبالفعل ساندت مصر الثورة وحققت عدد من الانجازات أبرزها أنه أصبح لدى الشعب العربى قناعة بوجود مساند فعلى وحقيقى للثورات التحررية وتأكدت الأنظمة الرجعية أن مساندتها للإستعمار أصبح مهدداً لبقائها اكما أيقنت القوى الإستعمارية أن الوطن العربى لم يعد مباحاً لها….
وكان من الأولى للمنتقدين أن يوجهوا نقدهم للأنظمة العربية التى إصطدمت مع الثورة اليمنية مثل النظام السعودى..والغريب أن كماً هائلاً من المنتقدين لناصر لإرسالة قوات تساند الثورة اليمنية التى تدعو للإستقلال والتحرر هم أنفسهم الذين يهاجمون مبارك مطالبين إياه بفتح باب الجهاد وإرسال قوات تدعم المقاومة العربية فى فلسطين ولبنان والعراق فلماذا هذا الموقف شديد التناقض.
وعبد الناصر أيضاً هو الذى قاد معارك ضد الأحلاف الغربية الإستعمارية فى الوطن العربى وانتصر فيها وأبرزها حلف بغداد..وهو الذى ساند الثورات التحررية فى الوطن العربى مثل الثورة الجزائرية والثورة العراقية والثورة اليمنية وغيرها.
ولم يقتصر دور ناصر على الوطن العربى بل ساند الثورات التحررية فى القارة الإفريقية بإعتبار مصر جزء أصيل من تلك القارة ووعياً منه بأهميتها البالغة وبالفعل كانت القارة الإفريقية فى عهد ناصر حصناً منيعاً ضد الصهيونية وكان للدور الذى قام به ناصر فى تلك القارة أثراً بالغاً فى إستقلال معظم دول القارة وظهور زعامات عدة مثل لومومبا فى الكونغو" أحمد سيكوتورى فى غينيا وكوامى نكروما فى غانا.
أما فيما يخص نكسة 1967 وحرب أكتوبر فبداية لابد من توضيح المفاهيم فالهزيمة لاتحدث فعلاً إلا بتوافر شروط ألا وهى إنكسار الإرادة وتبنى نظرية العدو فى القضية والصراع..وإذا لم تتحقق هذه الشروط فإن الهزيمة لا تعد نهائية بأى حال من الأحوال وقياساً بموقف مصر بعد نكسة 1967 فإن الإرادة لم تنكسر ولم تتبنى مصر نظرية العدو الصهيونى والأمريكى فى القضية والصراع ولعل اللاءات الثلاثة "لاصلح..لااعتراف..لاتفاوض" التى أعلنها ناصر فى مؤتمر الخرطوم خير دليل على ثبات المبدأ والموقف…وبالفعل مع نهاية عام67 كانت قدرة مصر الدفاعية قد اكتملت وفى عام 68كانت حرب الردع بمعارك المدفعية على جانبى القناة وفى عام1969 حتى النصف الأول من عام1970 كانت حرب الإستنزاف وهى التى يلقبها الخبراء العسكريين ب"الحرب الرابعة" لما لها من أكبر الأثر فى زعزعة استقرار العدو الصهيونى وتكبيده خسائر جمة وبالتالى استعاد الجيش والمقاتل المصرى ثقته فى قدراته وإمكانته بالإضافة إلى المكاسب العسكرية التى تحققت وقد كانت حرب الإستنزاف هى البداية الفعلية لحرب أكتوبر…
ولضرورة خوض حرب حاسمة تمكن ناصر من انشاء حائط الصواريخ سام3 وسام6وذلك لمواجهه الطيران المنخفض الذى كان يضرب مصر فى العمق حيث كانت لدى مصر صواريخ سام2 التى تتعرض للإرتفاعات العالية ولكن ليس لما هو أقل من 500متر..
وفى عهد ناصر وتحت إشراف البطل الشهيد عبد المنعم رياض تم أعداد الجيش ووضعت الخطة "جرانيت1"والتى تهدف إلى عبور قناة السويس بقوة خمس فرق والتمسك برؤؤس كبارى على الضفة الشرقية تكون مواقعها واصلة إلى الطرق الرئيسية الثلاثة التى تقطع سيناء من الجنوب والوسط والشمال – وهى بالفعل الخطة التى نُفذت فى الحرب…وكان من المفترض أن يتم تطوير الهجوم والوصول إلى المضايق فى سيناء وفقاً لخطة "جرانيت2"إلا أنها لم تنفذ كما يجب لأسباب سياسية لاعلاقة لها بالوطنية والنضال…
كما أنه فىعهد ناصر وضعت"الخطة200" وهى خطة دفاعية تحسبت لإحتمال قيام العدو الصهيونى بهجوم مضاد إلى غرب قناة السويس إذا حدث وتمكنت القوات المصرية من عبورها إلى الشرق"ثغرة الدفرسوار" وكانت الفرقتين المكلفتين هما الفرقة21المدرعة والفرقة الرابعة المدرعة إلاأن القرار الغريب الخاص بالوقفة التعبوية ثم إستخدامهما بلا مبرر فى تطوير الهجوم الفاشل يوم14 أكتوبر جعل عمق الجبهة المصرية مكشوفاً وغير متوازن وأصبحت منطقة المفصل بين الجيش الثانى والثالث مفتوحة أكثر من أى وقت مضى وهو ماعًرف بثغرة الدفرسوار..أى أن الخطة 200 كانت معدة سلفاً لحماية هذه المنطقة إلا أن القرارت الغريبة التى تم إتخاذها أفقدت الخطة توازنها…
هذا بالإضافة إلى أن المد الثورى الذى بلغ ذروته وتأجج فى الحقبة الناصرية بالإضافة إلى غرس مبادئ القومية والحرية كان لايزال يسرى فى أوصال الوطن العربى وهو ماكان له أبلغ الأثر فى حرص الدول العربية على تقديم الدعم المادى والعسكرى لمصر فى حرب أكتوبر دونما تردد فلم نسمع تصريحات عن مصر المغامرة ولم نسمع عن إبراء الدول العربية ذمتها من الموقف المصرى.
وبخصوص من يتهم ناصر بأنه أعدم كلاً من مصطفى خميس ومحمد حسن البقرى بسبب مظاهرات كفر الدوار التى قام بها عمال شركة مصر للغزل والنسيج الرفيع يومى 12و13 أغسطس 1952فإن هذا الاتهام مخالفاً تماماً للواقع حيث أن تصديق مجلس قيادة الثورة على حكم الإعدام الذىأوصى به المجلس العسكرى الذى تولى المحاكمة لم يكن جماعياً فقد إعترض على قرار الحكم كل ٌ من يوسف صديق وخالد محيى الدين وجمال عبد الناصر.
أما فيما يخص قضية الدكتاتورية والديقراطية والولع بالسلطة فإن ناصر هو الذى أصر فى آخر إجتماع للجنة القيادية لتنظيم الضباط الأحرار عشية الثورة على أن يجرى انتخاب لإختيار قائداً للتنظيم وهو يعلم أن تلك اللجنة تضم أعضاء من تيارات سياسية مختلفة ومع ذلك تم انتخابه بالإجماع..
وناصر أيضاً هو الذى أصر فى أول إجتماع لمجلس قيادة الثورة على أن يجرى انتخاب رئيس جديد للمجلس ومرة ثانية يختاره رفاقه بالإجماع..
كما أن ناصر هو الذى تحاور مع الأحزاب والتقى مع حسن الهضيبى المرشد العام للإخوان فى ذلك الوقت فيما يخص قانون الإصلاح الزراعى والبرامج وتطهيرها من القيادات المعروفة بالفساد إلا أنه جميعاً كانت تتعامل مع القضية بوجهة نظر منفعية لاعلاقة لها بمطالب الغالبية العظمى من الشعب ..
وعبد الناصر هو الذى تفاعل مع مظاهرات الطلاب عام68 التى اشتعلت إحتجاجاً على الأحكام التى صدرت بخصوص قضايا التقصير والإهمال فى سلاح الطيران باعتبارها أحكاماً هزيلة وبالفعل إتخذ ناصر قراراً بإلغاء الأحكام التى صدرت وإحالة القضية إلى محكمة عسكرية عليا أخرى..وتمت الإستجابة لمطالب الطلاب الخاصة بمزيد من الإستقلال والفاعلية وحرية الحركة لإتحاداتهم والسماح للإتحادات بالعمل السياسى وتنفيذاً لتلك المطالب صدر قرار رئيس الجمهورية رقم1523لسنة1968بشأن تنظيم الإتحادات الطلابية وبدأت الجامعة تموج بالحركة والنضال.
كما أن غالبية الأسماء اللامعة فى الآداب والفنون والثقافة بشكل عام هم نتاج الحقبة الناصرية ومن كان موجوداً قبل ذلك فقد توهج حضوره فى تلك الفترة..
وجدير بالذكر أن شاعراً مثل نزار قبانى كانت من أجمل قصائدة وأعنفها قصيدة بعنوان "هوامش على دفتر النكسة" وهى تحمل أقصى وأشد أنواع النقد للسلطة فى ذلك الوقت وقد نُشرت بأمر من ناصر..الملفت أن نزار الذى وجه نقداً بالغاً هونفسه الذى كتب بعد رحيل ناصر"أبا خالد جبل الكبرياء" و "فى رثاء عبد الناصر" و"الهرم الرابع مات "
كما أن أحمد فؤاد نجم وهو الشاعر الذى أُعتقل فى عهد ناصر وهو بالطبع ليس تاصرى وطالما انتقد ناصر فى أشعاره هونفسه الذى كتب بعد رحيل ناصر"زيارة إلى ضريح عبد الناصر" وهو الذى كتب مقولة صغيرة فى نهاية شعر "الفوازير" يتحدث فيها عن ناصر متمنياً وجوده بيننا.
لذا فعلينا دائماً أن نفرق بين من يجعل من الثقافة والآداب والفنون والتأريخ منبراً للحقيقة وبين من يُشكلها وفقاً لهوية كل عصر.
والأزمة أن البعض يلجأ إلى"الإنسكلوبيديا البريطانية" باعتبارها مرجعية ودليلاً غلى ديكتاتورية ناصر حيث وضعته ضمن أهم زعماء الديكتاتورية فى القرن العشرين غافلين أنها تعمدت ألا تورد ضمن حصرها الديكتاتورى عن القرن العشرين "سالازار" البرتغالى و"باتيستا" الكوبى و"سوهارتو"الإندونيسى وكل القاده الصهاينه ومعظم قاده أمريكا ودول الغرب خلال ذات القرن..وبالتالى تناسوا أن هذه المطبوعة هى إحدى آليات تزوير التاريخ لذا هى لاتتوانى عن تشويه تيتو وماوتسى تونج ونكروما وسوكارنو وجمال عبد الناصر.
على أية حال إذا كان عبد الناصر ظالماً وديكتاتوراً وإذا كان الشعب يحيا فى عهده تحت نير الذل والقهر والإستعباد فلماذا خرج الغالبية من هذا الشعب بكل طوائفه مؤيداً جمال عبد الناصر فى أحلك اللحظات ورافضاً لقرار التنحى ..إن مايقال عن أن هؤلاء مجموعة من المأجورين هو كلام منضرب الخيال لأنه ببساطة بهذا القول يتهم غالبية الشعب بأنهم مأجورين وبالتالى فلا خير فى شعب بمثل هذا السوء شغب غالبيته من المأجورين حتى فى وقت المحن أما ماحدث فكان رد فعل طبيعى نظراً لمكانة عبد الناصر فى قلوب الجماهير الذين وجدوا فيه معبراً عن آمالهم وطموحاتهم ورمزاً لعزتهم وكرامتهم لأنه ببساطة تعايش معهم كما أنه لم يوجد بعد نظام مهما بلغ جبروته وقوته أن يُخرج الشعب عن بكرة أبيه من كافة الأنحاء لابالتأجير ولابالإجبار وبالنسبة للذين يقولون أنهم لم يخرجوا لتأييد ناصر فلماذا لم يتم إخراجهم بالقوة أو بالأجر …
وإذا كانت هى حقاً تمثيلية ومن خرجوا لأداء دور المؤيدين بلغوا من البراعة والدقة آداء الدور لدرجة أن من يشاهدهم لايمكن أن يشك للحظه واحدة أنهم يصطنعون "ملحوظة-يتضح الفارق بشكل كامل لمن تابع الموظفين الذين حضروا فى أتوبيسات الشركات لتأييد مبارك بعد حادث أديس أبابا " فلماذا استمر المسلسل فى جنازه ناصر وهو الذى رحل عن الدنيا ومع ذلك فإن العدد أصبح أضعافاً مضاعفة ليس فى مصر فحسب بل فى كافة أرجاء الوطن العربى ..هذا الحشد الجماهيرى المهيب الذى لم تشهده أى جنازه فى وطننا العربى و جنازه السادات خير دليل على ذلك فهل هذا الحشد كان أيضاً مصطنعاً وهل امتد المسلسل ليشمل أرجاء الوطن العربى وتُرى لماذا هتف الفلسطينيون فى فلسطين وهم يشيعون جنازه ناصر فى فلسطين "ليلة هم وليلة طين - حظك عاثر يافلسطين".
إن الجماهير تعاملت مع جمال عبد الناصر باعتباره نصيرها ومرجعيتها الثورية والأهم من ذلك كان بمثابه الأب والإبن…
لقد كان جمال عبد الناصر عربى أصيل نبت هذه الأرض الطاهرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أغسطس 28th, 2006 at 28 أغسطس 2006 1:11 ص
استاذ / خالد ….. الموضوع شيّق و جميل و لكنه يحتاج ادراجات اخرى .. فعبد الناصر كان زعيما بمعنى الكلمه .. بصرف النظر عن نكسه او خلافه .. لقد عاش رجلا و مات رجلا و لا يوجد جنازه فى العالم تفوق جنازة عبد الناصر .. و لقد سألت سؤلا فى الادراج لم تجب عليه و هو عن ان القناه كانت ستسلم لمصر بعد انتهاء الامتياز .. و احب ان اضيف ان عبد الناصر كان ذو عقليه تفوق عقلية جميع الرؤساء فى ذلك الوقت و لو كان يعلم ان القناه ستسلم لمصر بعد انتهاء الامتياز ما اممها .. و لكنه كان على يقين ان مصر لن تتسلم القناه بعد انتهاء الامتياز .. رحم الله عبد الناصر بحلوه و بمره و ليته كان موجودا ليرى ما وصلنا اليه .. العلم كله يتقدم للامام و المصيبه اننا لا عرفين نتقدم و لا نتأخر .. لو اتقدمنا كويس و لو اتأخرنا كويس .. بس الوضع اللى احنا عايشينه ده حراااااااااااااااااااام .
أغسطس 28th, 2006 at 28 أغسطس 2006 10:36 ص
روح يا شيخ وتعالى بسرعه ………………-عشان تكتب تانى طبعا -صديقى خالد احييك واحمد الله انك فضيت شوية عشان نشوف اعمالك الرائعه
وارجو ان لا تختفى ثانية
يعنى من الاخر مش عاوزك تولع وتختفى ارجو المواصلة ويارب الموضوع ده ميعملش نفس الدربكة بتاعة المحروسة اللى حصلت على موضوعك الاخير
لان ذى منت عارف الناس عندها………………-متخفش انا مؤدب مش هقولها- من عبد الناصر واللى بيحبو عبد الناصر
واخيرا اهنئك بالعودة
معا دائما على طريق الحريه والاشتراكية والوحدة
أكتوبر 4th, 2006 at 4 أكتوبر 2006 6:50 م
عزيزى الأستاذ خالد ….
أولا أود إبداء اسفى لتأخرى عن زيارة مدونتك منذ وقت طويل لظروف خاصة وربما تلاحظ لو زرت حضرتك مدونتى ستجدها متوقفه منذ فتره ..
ثانيا قرأت مقالتك العظيمة بل وأضافت إلى معلومات مفيده أيضا .. وسعدت بها وسررت جدا .. ولا تعليق لى سوى قولى لك .. إستمر يا استاذ خالد .. واصل الكفاح .. واصل النضال .. وصل حربك لعل الأغبياء يصحو ويفيقوا على أن هناك مدافعين ومقاتلين من أجل مصر .. لأن مصر هى عبدالناصر .. وعبد الناصر كان إبنها ولها .. عاش من أجلها .. ومات فى سبيلها .. وسنظل فى عزاء أنفسنا حتى آخر لحظة فى عمرنا لأننا إفتقدنا أغلى سلعة كانت فى خلال ذلك القرن على الأقل إن لم يكن فى عمر مصر كلها ..
ثالثا : أرجو مخاطبتك خارج المدونة على إيميلى التالى :
amsz36@hotmail.com
وللفت نظرى حتى لا أحذف رسالتك .. اكتب فى خانة الموضوع بالعربى .. جمال عبدالناصر
واخيرا وليس بآخر أتقدم لك بخالص شكرى وإمتنانى لمشاعرك نحو هذا البطل .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أكتوبر 14th, 2006 at 14 أكتوبر 2006 3:23 ص
كل عام وأنت بخير…بمناسبة الشهر الكريم وخواتم مباركة..
للفكر السياسي هنا نزعة واقعية جداً…
ليت أبناء الدول العربية اليوم يتعلمون شيئا من وطنية مصر وأبنتائها…
تحياتي لك..
كن بخير..!!
ديسمبر 14th, 2006 at 14 ديسمبر 2006 8:35 م
عبد المجيد راشد
rashdkarama@yahoo.com
ثورة 23 يوليو
والنهضة الثانية لمصر
قامت ثورة 23 يوليو في مصر العربية عام 1952 في وقت كان العالم فيه قد دخل عصرا جديدا عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، وكان الوطن العربي فيه قد بدأ مرحلة جديدة شهدت تدفق موجة التحرير فيه وفي أجزاء واسعة من قارتي آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، كما شهدت حدوث نكبة فلسطين عام 1948، وكانت مصر العربية فيه تعيش جيشانا ينذر بتفجر ضخم وحملا يبشر بولادة جديدة.
فعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية كان خارجا من حرب ضروس انطوت على مآس وفواجع لم يعرف التاريخ لها مثيلا من قبل، وانطوت في تضاعيفها على ثورة ضخمة هي عند البعض أكبر ثورة عرفها الإنسان منذ فجر تاريخه في اتساعها.
وتصدرت في هذا العالم المعاصر دولتان أعظم هما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، بعد أن أنهكت الحرب بريطانيا وفرنسا وبقية دول أوروبا الاستعمارية، وبرزت هاتان الدولتان كقوى جديدة، وأصبح من الملامح الواضحة للصورة الدولية حالة التوتر والخوف المعروفة باسم الحرب الباردة القائمة بين الدولتين الأعظم في ظل مجمع للدول العالمية الكبرى تمثله الأمم المتحدة[1]
أما عن صورة مصر الاقتصادية والاجتماعية عشية ثورة 23 يوليو والتركة المثقلة التي تسلمتها القيادة الثورية ليلة استيلاءها على السلطة، فيمكن في ايجاز شديد أن ترسم الملامح الأساسية لتلك الصورة على النحو التالي:-
1- السيطرة الاستعمارية:
فلم تكن السيطرة الاستعمارية احتلالا عسكريا فحسب، بل أن الثمانين ألف جندي بريطاني كانوا في الواقع يحرسون عملية استغلال اقتصادي بشع يتولاها الاستعمار العالمي.
فكان النظام المصرفي بأكمله، ابتداء من البنك المركزي “البنك الأهلي” حتى اصغر بنوك الرهونات، تحت سيطرة راس المال الأجنبي، وكذلك كل نشاط التأمين في مصر، ومعنى ذلك أن المال - عصب الحياة الاقتصادية- لم تكن تحكم حركته قرارات مصرية، ومعناه أيضا أن مدخرات المصريين التي كانت تتجمع لدى البنوك وشركات التأمين كانت تحت تصرف الأجانب، يحولونها إلى الخارج أو يوجهونها لتمويل نشاط الأجانب المتمصرين في مصر، ولم يكن يحظى بقروض البنوك من المصريين إلا الإقطاعيين وكبار الرأسماليين المرتبطين بالمصالح الأجنبية، حتى يستطيع الاستعمار من اخذ نصيبه مما استولى عليه أعوانه من عرق الفلاح والعامل المصري، وهكذا كان طريق التنمية مسدودا أمام الرأسمالية الوطنية التي كانت تعانى الأمرين في الاقتراض من البنوك الأجنبية، بل أمام الدولة ذاتها التي لم تكن تملك - حتى لو أرادت- الموارد الكافية لتمويل أي برنامج إنمائي.
كذلك كانت التجارة الخارجية حكرا على الأجانب وقلة من المصريين تدور في فلكهم، فأهم الصادرات وهو القطن (حوالي 85% من الإجمالي) بيد بيوت التصدير الأجنبية التي كانت تسيطر في نفس الوقت على المحالج والمكابس، والواردات تمر حتما بالتوكيلات المحلية للشركات الأجنبية، ووكالات الاستيراد “والقومسيونجية” وكانت التجارة الخارجية تمثل في ذلك الوقت حوالي 50% من الدخل القومي، ومعنى ذلك أن نصف الدخل القومي لا تؤثر فيه يد وطنية ولا سياسة وطنية.
وكانت مصادر الطاقة - وهي أساس التصنيع وتطوير الزراعة- بيد الأجانب، فاستخراج البترول احتكار لشركة شل واستيراد البترول ومنتجاته وتوزيعها بيد شركات البترول العالمية أو فروعها المحلية، ومحطات الكهرباء الحرارية الهامة بيد شركات فرنسية أو بلجيكية.
وكان للمصالح الاستعمارية الوزن الأكبر في قطاع النقل فقناة السويس دولة داخل الدولة وشركات النقل البحري والنقل النهري يسيطر عليها الأجانب، والنقل العام بالقاهرة تحكمه شركة بلجيكية والنقل الجوى يساهم فيه البريطانيون.
وكان الجزء الأكبر من الصناعة - رغم نموها المحدود- بيد الأجانب أو ساهم فيه الأجانب المتمصرون، حتى صناعة النسيج المصرية التي أقامها بنك مصر، دخلت مرحلة التعاون مع راس المال الأجنبي.
وكان للأجانب والمتمصرين النصيب الأساسي في التجارة الداخلية فتجارة الداخل في القطن يشارك فيها الأجانب وخاضعة لتوجيهات بيوت التصدير الأجنبية والبنوك الأجنبية التي تمولها وتجارة الجملة - حتى في منتجات الصناعة المصرية- يسيطر عليها أجانب ومتمصرون، والمحلات التجارية الكبرى كلها محلات أجنبية، ورغم اعتماد الاستعمار في استغلال الفلاحين أساسا على طبقة كبار الملاك والإقطاعيين، فقد دخل بعض الأجانب في مجال الزراعة، ففي سنة 1950، كان من بين الستين شخصا الذين يملكون أكثر من ألفي فدان ويسيطرون على 5% من إجمالي المساحة الزراعية 18 أجنبيا.
2- الإقطاع:
عمل الاستعمار البريطاني منذ احتلاله البلاد عام 1882 على تأكيد مركز كبار الملاك والإقطاعيين وزيادة عددهم، فأقر لهم القانون بحق الملكية الفردية على أراضى مغتصبة ولم يكن لهم عليها إلا حق الانتفاع , ووزع عليهم أملاك قادة الثورة العرابية، وباع لهم بأبخس الأثمان أملاك الخديوي إسماعيل “الدائرة السنية”، ومكن لهم من الاستيلاء على أراضى الحكومة بدعوى استصلاحها، وجعلهم العمود الفقري للسلطة السياسية والأجهزة الإدارية، ذلك أنهم كانوا، كطبقة، أداة الاستعمار في إرهاب الفلاح واستغلاله.
أما عن صورة الإقطاع عشية ثورة 23 يوليو، فقد كان عدد من يملكون أكثر من 50 فدانا يزيد قليلا عن 11.800 فرد، وكانوا يملكون 38% من المساحة المنزرعة، بمتوسط يقارب 200 فدان للفرد الواحد، فإذا أخذنا في الاعتبار ملكية العائلة لما هو معروف من أهميتها في الأوضاع الإقطاعية، وصلت أرقام الملكية إلى حدود خيالية، وكان كبار الملاك الإقطاعيين يسيطرون على الحياة السياسية، فالدستور كان يشترط لعضوية مجلس الشيوخ ملكية أرض لا تقل ضريبتها السنوية عن 150 جنيها.
3- الرأسمالية الكبيرة:
لقد حاولت الرأسمالية الوطنية غداة ثورة 1919 أن تبنى صناعة مصرية وأن تدعم التجارة المصرية وتوجد نشاطا مصرفيا مصريا, ورفعت شعار تفضيل المنتجات المصرية في الاستهلاك وتشجيعها، ولكن الاستعمار - مستعينا بالحكومة- حارب هذه الجهود، وفي الوقت ذاته وارب الاستعمار الباب لعدد من كبار الأثرياء ليشتغلوا بالأنشطة غير الإنتاجية، أو بتلك المرتبطة بعملية الاستغلال الاستعماري لموارد البلاد، تجارة الداخل في القطن، المقاولات، عقود التوريد لقوات الحلفاء، وأمام تصاعد حركة التحرر الوطني في الأربعينات لجأت بعض الشركات الأجنبية إلى استخدام بعض الواجهات المصرية، فاحتل عدد من “الباشاوات” مقاعد مجلس الإدارة، بل واقتنى بعضهم شيئا من أسهم تلك الشركات، وكذلك تحولت فروع بعض الشركات الأجنبية إلى شركات مساهمة مصرية، وسرعان ما رفعت شعار حماية الصناعة المصرية لتفرض الجمارك العالية التي تمكنها من البيع بأسعار مرتفعة، كما دخلت فيما بينها في اتفاقات احتكارية لتحول دون أي انخفاض في الأسعار، وهكذا كانت الرأسمالية المصرية في مجموعها على درجة من النمو ضعيفة إلى حد بعيد، كما كان في داخلها انقسام واضح بين الرأسمالية الوطنية ضحية القهر والاستغلال والرأسمالية الكبيرة التي تدين بالولاء للمستعمر.
وبالطبع كانت نتيجة كل هذا هي التخلف الاقتصادي والاجتماعي والمعبر عنه بثالوث “الفقر والجهل والمرض” وكانت مصر بحق مجتمع النصف في المائة. [2]
وقد شقت الثورة طريقها إلى التنمية من خلال منهج تجريبي متصاعد لم يأخذ باستراتيجية الكتلة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفيتي والمعروفة باستراتيجية بناء الصناعات الأساسية ولا باستراتيجية المعسكر الرأسمالي المعروفة باستراتيجية بناء الصناعات من أجل التصدير عبر منظومة الشركات عابرة القوميات.
في البداية كان المطروح هو تنمية الإنتاج بصفة عامة وكان الإصلاح الزراعي هو الخطوة الجوهرية نحو هذه التنمية، ثم طرحت الثورة مسالة التصنيع كضرورة اقتصادية واجتماعية داعية الرأسمالية المصرية بل والأجنبية أيضا للإقدام على إقامة المشروعات الصناعية، وقام المجلس الدائم لتنمية الإنتاج بدور المروج للمشروعات الصناعية، كانت الدولة لا تزال تلتزم الحذر وتكتفي بالتوجيه، وابتداء من عام 1955 أقدمت الدولة على التدخل بالتمصير، وفيما بعد هزيمة العدوان الثلاثي، شقت الثورة طريق التنمية الاقتصادية المستقلة لبناء اقتصاد وطني حديث يقوم على الصناعة ويكسر طوق التبعية المحكم للرأسمالية العالمية حول مصر فأقامت المؤسسة الاقتصادية ووضعت برنامج السنوات الخمس للصناعة.
وللحق فقد كان هذا البرنامج أهم إجراء اتخذته الثورة من اجل التصنيع حتى ذلك الوقت، و الذى بدأ في عام 1957 وانتهي في عام 1960، وبلغت استثماراته حوالي 330 مليون جنيه، و تضمن البرنامج الكثير من الصناعات الكيماوية وصناعات مواد البناء وتبعته الصناعات المعدنية والهندسية، وساهمت في تمويله دول اشتراكية ودول رأسمالية وكان تقدير المسئولين عند إعداد البرنامج أن يقوم القطاع الخاص بالدور الأساسي فيه، لكن متابعة التنفيذ كشفت عن عزوف القطاع الخاص عن المشاركة، مما أدى إلى عدم تنفيذ الاستثمارات كاملة، وقد بلغت 141 مليون جنيه حتى يونيو / حزيران 1960.
وفي أواخر عام 1959 تقرر إعداد برنامج التصنيع الثاني ليغطى فترة السنوات الخمس التالية وقدرت نفقاته الاستثمارية بحوالي 350 مليون جنيه، وتم إدماج بعض المشروعات المتبقية من البرنامج الأول فيه، ثم رؤى أن يتجه تطوير الاقتصاد طبقا لمبدأ التخطيط، وعندئذ ادمج البرنامج الثاني في الخطة الخمسية الأولى.
والواقع أن المنهج التجريبي المتصاعد لم يكن ليتصاعد دوما لولا أن هناك منذ البداية هدف واضحا هو بناء اقتصاد وطني قوى أو تحقيق الاستقلال الاقتصادي وفي نفس الوقت الانحياز إلى غالبية طبقات الشعب، ومع ذلك، وابتداء من بداية الستينيات اتضحت الأمور من خلال التجربة الحية وأنجزت الثورة ثلاث خطوات حاسمة على طريق التنمية:-
أ- أولاها وضع خطة مضاعفة الدخل الوطني في عشر سنوات والبدء، من ثم، في نصفها الأول وهو معروف باسم الخطة الخمسية الأولى وكان معنى ذلك التسليم بمبدأ التخطيط للتنمية.
ب- وثانيتها الإقدام على التأميمات الكبرى ابتداء بتأميم البنك الأهلي وبنك مصر في فبراير / شباط 1960 ثم تأميمات يوليو / تموز 1961 وما بعدها، وكان معنى ذلك التسليم بأن القطاع العام هو القاعدة الأساسية للتنمية.
ج- وثالثتها وضع ميثاق العمل الوطني وشق طريق التحولات الاقتصادية والاجتماعية بهدف الوصول إلى الاشتراكية، وكان معنى ذلك أن التنمية عملية ثورية ترمى ليس فقط لتحقيق الاستقلال الاقتصادي وإنما ترمى أيضا لتغيير المجتمع وإعادة بنائه لصالح مجموع قواه العاملة.
وبالتالي، فانه إذا كانت التنمية قد بدأت بلا نظرية ولا مذهب، واتخذت طريق التجربة، فانه نظرا لإصالة الثورة وعمق انتمائها الوطني فإنها قد انتهت إلى تبنى منهج علمي واضح وصاغت بذلك ميثاق العمل الوطني على أساس الاشتراكية العلمية.
كانت مسيرة التصنيع، باعتبارها جوهر عملية التنمية، معركة من أخطر معارك التحرر والتقدم الاجتماعي في البلاد، كانت معركة طبقية ضارية، تقف إلى جانبها طبقات معينة، وتعارضها وتقاومها طبقات معينة أخرى.
فمنذ البداية كان موقف الدوائر الاستعمارية واضحا فهي ترى أن مصر بلدا زراعيا ويجب أن تبقى بلدا زراعيا، في عام 1953، أعلن البنك الأهلي وكان يتحدث باسم راس المال الأجنبي الغالب في مصر “بدلا من الدعوة إلى التصنيع لإيجاد عمل للفائض من الأيدي العاملة الزراعية يجدر بنا أن نتناول المسألة من جانبها الآخر، بمعنى انه يجب البدء بتنمية الزراعة” وفي عام 1955 عاد يقول: هناك بضعة دروس أهمها أن التصنيع عملية طويلة ومعقدة يحتاج إتمامها إلى أجيال طويلة.. وعندما وضعت الثورة برنامج السنوات الخمس الأولى للصناعة في عام 1957، علق البنك الأهلي على البرنامج قائلا: أن خطة السنوات الخمس لا تعدو أن تكون بغير موارد، ولم يتغير موقف البنك ولا موقف رأس المال الأجنبي، حتى قامت الثورة بتمصير المشروعات الأجنبية عقب العدوان الثلاثي، ثم تبعتها بتأميم البنك الأهلي نفسه في عام 1960، ثم توالت التأميمات لرأس المال الأجنبي.
أما الرأسمالية المصرية فإنها لم تستجب أبدا لكل ما عرضته عليها الثورة من مشروعات للتنمية الاقتصادية، ففي البداية التزمت الحذر وذلك على الرغم مما أغدقته الدولة عليها من إمتيازات لم تحلم بها من قبل، بل واختارت الدولة أن تتصدى للميادين التي تتطلب استثمارات ضخمة وتتعرض لمخاطر كبيرة ولا تدر ربحا عاجلا مثل الحديد والصلب والسماد والأسمنت، وفيما بين عامي 1954 و1958 قدمت الدولة 74% من رأس المال المستثمر في شركات المساهمة في الصناعة الثقيلة وظل مجلس تنمية الإنتاج عاكفا على دراسة المشروعات وتقديمها صالحة للتنفيذ للرأسمالية المصرية، بل وظل يساعد على تكوين شركات خاصة مثل شركة الكابلات الكهربائية وشركة إطارات السيارات ومع ذلك ظلت الرأسمالية متحصنة داخل خندقها المنيع التقليدي في الصناعات الخفيفة المألوفة وفي المباني السكنية.
ومن ناحية أخرى فقد تولت الثورة وبخاصة خلال الخطة الخمسية الأولى، إرساء قاعدة عريضة من الصناعات الاستهلاكية والإنتاجية، وحصل قطاع الصناعة على أكثر من ربع استثمارات الخطة أي حوالي 27% منها بالإضافة إلى 6.5% منها لمشروع السد العالي وحوالي 7% لمشروعات الكهرباء وعلى الرغم مما هو معروف من أن الخطة الخمسية الأول قد عنيت باشباع احتياجات الاستهلاك النهائى وهو ما عرف باستراتيجية الإحلال محل الواردات، إلا أنها أرست أيضا قاعدة الصناعات الإنتاجية مثل صناعة آلات الورش والتوسع في صناعة الحديد والصلب وصناعة المطروقات والدرفلة وصناعة إنتاج الرصاص والزنك والألمونيوم الكهربائي وصناعة الآلات الزراعية وصناعة المحولات وصناعة أبراج الصلب والأبراج الخرسانية للشبكات الكهربائية وصناعة المراجل البخارية وصناعة معدات الطرق واستصلاح الأراضي وصناعة المعدات الرئيسية للتعدين وصناعة مواد البناء. [3]
وفي هذا السياق يكفي أن نتابع هنا حركة بعض المتغيرات الأساسية للاقتصاد المصري، ونبدأ بمعدل النمو في الناتج المحلى الإجمالي، فتدل الدراسات على أن معدل النمو السنوي كان حوالي 1% في ألفترة من عام 1913 إلى عام 1928 وحوالي 5% من عام 1929 إلى عام 1939 ، ومع حلول عام 1950 كانت آثار فترة الحرب قد تم تجاوزها، ولذا ارتفع المعدل السنوي الإجمالي إلى 2.5% في الفترة من 1939 - 1950.
ومع بدء برنامج الدولة للتصنيع، قفز معدل النمو السنوي في المتوسط إلى حوالي 5% (1956 - 1957 - 1970 / 1971) هذه المعدلات تعنى انه منذ بدء القرن العشرين وحتى منتصف الخمسينات لم تحدث أي زيادة ملموسة في متوسط دخل الفرد (المعدل السنوي 1,. في المائة) بينما زاد دخل الفرد في الفترة الناصرية بحوالي 2% سنويا.
وتمثلت الدورة في معدل النمو في الناتج المحلى الإجمالي في سنوات الخطة الخمسية للأعوام (1960 / 1961 - 1964 / 1965) حيث وصل معدل النمو في الناتج المحلى الإجمالي إلى 6.9% سنويا - في المتوسط - وظلت هذه المعدلات، رغم اختلاف النسب، من أعلى ما تحقق على مستوى العالم خلال ألفترة نفسها طبقا لتقارير البنك الدولي.
وهذا التغيير الإيجابي الملموس في اتجاه النمو بعد عام 1956 / 1957، كان يتضمن تغيّرا موازيا في معدلات الاستثمار، إذ ارتفعت نسبة الاستثمار في الدخل القومي الإجمالي من 9.1% عام 1946 إلى حوالي 14% (1957 - 1958)وقد زادت الاستثمارات بدرجة ملحوظة أثناء سنين الخطة الخمسية الأولى إلى (15.4% - 16.2% - 17.8% - 20%) على التوالي وكان في آخر سنوات الخطة (1964 / 1965) 17.8%.
ووسط هذه الدفعة الاستثمارية، أصبحت الصناعة هي القطاع القائد في الاقتصاد المصري، ورغم ذلك، فلم يحدث أن أهملت الزراعة لحساب الصناعة وفي الخطة الخمسية على سبيل المثال، كان نصيب الصناعة مساويا تقريبا لنصيب الزراعة في مجمل الاستثمار المستهدف، ففي الفترة من 1939 إلى 1949، زاد الإنتاج الزراعي بمعدل سنوي لا يتجاوز 1% وفي الفترة التالية كان المعدل السنوي 1.8% وفي الفترة من 1955 إلى 1960، كان المعدل السنوي 3.5% وفي أثناء الخطة الخمسية كان 3.1% والمستهدف 5.1%. [4]
ان المعجزة في التجربة الناصرية أنها أنجزت تحولا ثوريا في النسق الاقتصادي - الاجتماعي مع تسارع “وليس مجرد استمرار” النمو الاقتصادي، ونذكر على سبيل المثال أن الإصلاح الزراعي المصري في عام 1952 كان “معجزة” بهذا المعيار، حيث لم يترتب على التغيير الكبير في شكل الملكية تدهور في الإنتاج، بل زاد الإنتاج الزراعي على عكس ما حدث في البلدان النامية الأخرى التي طبقت إجراءات أقل اتساعا، وإذا كانت الخطة الخمسية الأولى قد تمكنت من تحقيق معدلات مرتفعة في الاستثمار والإنتاج، فهذه كفاءة نادرة في احتواء الصراعات الاجتماعية الناشئة عن العملية الجراحية الخطيرة، وهي شهادة بنجاح فريد في التصدي لمهام إنشاء أوضاع مؤسسية جديدة وإدارتها، بحيث تستكمل المشروعات تحت الإنشاء في مواعيدها المحددة، وتنطلق في الوقت نفسه حملة واسعة من إنشاءات جديدة وبحيث تواصل المشروعات القائمة تحسين إنتاجيتها، ومعجزة الناصرية أنها نجحت في تحقيق قدر كاف من الاستقرار فور تقريرها للتأميمات الواسعة، ونتج عن ذلك معجزة معدلات النمو. [5]
في هذا السياق، فمن المهم والضروري الإشارة إلى أن المدخل الصحيح لفهم ودراسة التجربة الناصرية لا يكون باعتبارها زمنا مضى وانقضى، ولا باعتبارها مجموعة سياسات وإنجازات وليست مجرد بطولة في التاريخ، أو تجربة عداء حازم للاستعمار أو سعيا للوحدة العربية، أو حتى أنها أهم تجربة في تاريخنا المعاصر قامت بالتنمية المستقلة متعددة الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إنها كل ذلك وغيره، إن أردنا وصف ما جرى، لكنها تنطوي على قيم “باقية” وممتدة، تتجاوز الوقائع وتكشف فيها المعنى والمغزى. [6]
وكان طبيعيا أن تمر ثورة يوليو بمرحلة من التجربة والخطأ قبل أن تتوصل لصياغة المعالم الأساسية للنظرية الثورية، ذلك أن ثورة يوليو قد رفضت منذ البداية كلا النموذجين الفكريين السائدين في العالم عند تفجرهما، وهما الرأسمالية والشيوعية، وأصرت على شق طريق متميز وجديد، و”الحاجة” إلى طريق جديد لا تصدر عن رغبة في التجديد لذاته ولا تصدر بدافع الكرامة الوطنية، وإنما لأن الثورة العربية تواجه ظروفا جديدة ولابد لها في مواجهة هذه الظروف أن تجد الحلول الملائمة لها، ومن ثم فان التجربة الثورية لا تستطيع أن تنقل ما توصل إليه غيرها. [7]
ويؤكد جمال عبد الناصر في الميثاق الوطني أن ثورة 23 يوليو بدأت من غير نظرية كاملة للتغير الثوري، إذ لم تكن تمتلك إلا المبادئ الستة المشهورة، غير أن مسيرة الثورة على هدى هذه المبادئ وبتطويرها من خلال التجربة والخطأ توصلت إلى صياغة الميثاق الوطني الذي بلور المعالم الأساسية لنظرية متكاملة كما يؤكد عبد الناصر في محاوراته خلال مباحثات الوحدة الثلاثية وكما يعبر عن ذلك في ضرورة التزام التنظيم السياسي بالميثاق كدليل في العمل باعتباره حصيلة التجربة وأصل ونتيجة لإرادة شعبية حرة، فنظرية الثورة لم تبدأ معها وإنما كانت إحدى ثمار تجربتها كما يقول جمال عبد الناصر “هكذا وصلنا إلى عقائدنا كنتيجة طبيعية لتجاربنا ووضعنا قوانين حركتنا انعكاسا صادقا لواقع امرنا، ولقد كان أعظم الملامح في تجربتنا ألفكرية والروحية اننا لم ننهمك في النظريات بحثا عن حياتنا وإنما انهمكنا في حياتنا ذاتها بحثا عن النظريات”. [8]
وأخيرا، فان القراءة العلمية الرصينة لتجربة 23 يوليو، لا ينبغي أن تقف عند حدود العامل الاقتصادي فقط، خاصة في ظروف بلدان العالم النامي، الخارجة من آتون حقب استعمارية استنزفت ثرواتها لقرون طويلة، وشوهت طبقاتها الاجتماعية بالقهر والاستغلال والتفرقة الطبقية والاستلاب الحضاري، ولكن، وهذا هو الدرس الأهم لتجربة يوليو، ينبغي قراءتها وفق رؤية متعددة الأبعاد “سياسية، تاريخية، جغرافية، اقتصادية، ثقافية، اجتماعية، دولية، اقليمية”.
cdbacd
الهوامش
* هذه الدراسة جزء من رسالة الماجستير للباحث والتي ستصدر في كتاب عن مكتبة مدبولي بالقاهرة تحت عنوان “الكارثة والوهم / سياسة الاصلاح الاقتصادى - نظام العولمة”.
[1] د. احمد صدقى الدجانى: الإطار التاريخى لثورة 23 يوليو ,, منشور في ثورة 23 يوليو - قضايا الحاضر وتحديات المستقبل ,, دار المستقبل العربي ,, القاهرة ,,
مايو 29th, 2007 at 29 مايو 2007 2:35 م
في الحقيقة أنا لا أنكر ما قام به ناصر من جهود، ولكن لا ينكر أحد أيضا أن ناصر هو أول من ابتدع القومية العربية وأدخل الاشتراكية وأكد في ميثاقه قيام دولة علمانية بمعزل عن الدين والتدين. ولا أدري لماذا يخاف الحكام من الدين مع أنه لا صلاح لأمة من أمم العرب إلا بالدين والتاريخ يثبت ذلك منذ نِشأة العرب، ألم يكن العرب بدوا رحلا لا يهبأ بهم فرس ولا روم، فلما جاءت الرسالة المحمدية ووحدتهم تحت راية الإسلام ملكوا الفرس والروم، وقدموا للإنسانية أعظم حضارة في التاريخ أستطاعت أن تحقق الأمن والعدالة الاجتماعية للمسلمين وغير المسلمين بل وشهد بذلك غير المسلم قبل المسلم. ليت كل حاكم عربي وكل سياسي محنك يدرك أنه لا نهضة للعرب إلا بإقامة الدين الذي حملهم الله أمانة تبليغه، أليس عبد الناصر أول من شجع الغناء والتمثيل والتغني بالمجد الفرعوني وتقوية النزعة العرقية العربية، وصار فرعون الذي لعنه الله في القرآن مصدر فخر لنا ولبلادنا وصار الإسلام الذي كرمنا الله به رمزا للضيق والجمود والتخلف والإرهاب. أعتقد أن ناصرا لو كان تبنى تجديد الإسلام تبنيه للقومية لكان لنا شأن آخر ولكان ناصر كعمر الفاروق.
يناير 22nd, 2008 at 22 يناير 2008 8:27 ص
تحيه لصاحب المقال وبرجاء التواصل